العلامة المجلسي

35

بحار الأنوار

يستسعد بالقرب من الله تعالى فيفلح إذا زكاه ، وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنسه ودساه . وهو المطيع لله بالحقيقة به ، وإنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره ، وهو العاصي المتمرد على الله ، وإنما الساري على الأعضاء من الفواحش آثاره ، وباظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه إذ كل إناء يترشح بما فيه . وهو الذي إذا عرفه الانسان فقد عرف نفسه ، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه وهو الذي إذا جهله الانسان فقد جهل نفسه ، وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه ومن جهل بقلبه فهو بغيره أجهل ، وأكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم ، وقد حيل بينهم وبين أنفسهم ، فان الله يحول بين المرء وقلبه ، وحيلولته بأن لا يوفقه لمشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن وأنه كيف يهوى مرة إلى أسفل السافلين ، ويتخفض إلى أفق الشياطين ، وكيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين ، ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين . ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ، ويترصد ما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه ، فهو ممن قال الله تعالى فيه : " ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون " ( 1 ) فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه أصل الدين وأساس طريق السالكين . فإذا عرفت ذلك فاعلم أن النفس والروح والقلب والعقل ألفاظ متقاربة المعاني فالقلب يطلق لمعنيين أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر ، وهو لحم مخصوص ، وفي باطنه تجويف ، وفي ذلك التجويف دم أسود وهو منبع الروح ومعدنه ، وهذا القلب موجود للبهائم ، بل هو موجود للميت . والمعنى الثاني هو لطيفة ربانية روحانية ، لها بهذا القلب الجسماني تعلق وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته ، فان تعلقها به يضاهي تعلق

--> ( 1 ) الحشر : 19 .